للحزن اجنحة سوداء
د.ك2.50
، أصبحتُ أعرجًا منذ طفولتي الباكرة، هذه العاهة المستديمة حرمتني أن أحقّق حلمي بالالتحاق جنديًا بالجيش أو بالشرطة مثل بقية أندادي، لم يكن لدي كثير من الخيارات العملية المتاحة بسبب تواضع مستواي التعليمي، استوعبني المستشفى الحكومي عامل نظافة في شرخ شبابي، فرحتي كانت عظيمةً بتبوُّء هذه الوظيفة بعد فترة العطالة المملة والقاتلة، والتي بسببها كدت أن انجرف إلى عالم الجريمة أو أكون خريج سجون، لكن جذبني الخير إلى الاتجاه الصحيح، أعمل بجدٍّ وإخلاص، لا أجد حرجًا في نظافة الدماء المتجلطة والصديد وقيء المرضى، والحمامات المُتَّسخة بالبراز والبول من إهمال الأطفال والعجزة المسنين، ثم فتح المنهولات والمجاري وجمع الأوساخ، ذو همة ونشاطٍ عاليين، لا يُكبِّل يدي الكسل، طويل البال روحي لا تعرف الملل ولا أعرف للتسكع طريقًا، أحُبّ الناس والمرح مع الرقص والغناء بلغتي الأم، كل الموظفين يعرفونني جيدًا، لكنهم غالبًا لا ينظرون إلى جانب إنسانيَّتي المضيئة؛
أفكر في أطفال أختي بأن أجلبهم إلى المدينة، لم يكن لدي ثمن تذكرتين لأبعث إليهما.. لا أملك أكثر من قوت يومي، بينما كنت سارحًا في محنتي، أتى دكتور هيثم مثل الإلهام.. انتشلني من إحباطي وتكفَّل بثمن التذكرتين.
من منطقة الحرب حضر الطفل (بمبو) برفقة أحد أقربائي إلى المدينة، بينما اختارت أخته البقاء مع عمتها، فور أن رأيت ابن أختي اندفعت نحوه بحماسٍ وشوق، بكيت بحرقة، لكنَّه ظلَّ جامدًا كحجر! لم يحرِّكه شغفي ولا دموعي الغزيرة، طفلٌ بائس الوجه صارمُ الملامح صاحبُ عيونٍ ضيِّقة، كانت الحرب اللعينة قد سرقت منه طفولته البريئة؛ لا يُمكن أن يشتكي وهو جائع، يحب العنف اللفظي والجسدي. عزمت معاملته باستثناء وبعاطفة جياشة، هو يتيم الأبوين، أحب أن أدافع عنه، أجد له العذر لحماقاته المتكررة.
اسم المؤلف : ادريس علي بابكر
اسم المترجم :
دار النشر : اجنحة السودان
In stock


Reviews
There are no reviews yet.